اسماعيل بن محمد القونوي

181

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

خلوهم إلى شياطينهم ووصولهم إليهم لبيان ما ترتبوا عليه من إظهار النفاق والوفاق نقل عن ابن درستويه العامة نقول خلاك ذم والمعنى صحيح لكن العرب لم تستعمله كذا انتهى . والاستقراء التام مشكل والناقص غير مفيد وكفى بقول الكشاف شاهدا على استعمال العرب ولو كان الأمر كما ذكره كيف يفسر القرآن الكريم بما لم تكن العرب مستعملة له غاية الأمر أن المعنى الأول أظهر وفي الاستعمال أكثر ولهذا قدمه وقيل إنه على هذا المعنى أنهم جاوزوا المؤمنين وذهبوا عنهم إلى شياطينهم فعلى هذا هو في النظم متعد انتهى . وهو مطابق لما صرح به الرضي . قوله : ( ومنه القرون الخالية ) أي الذاهبة من مركز الوجود إلى كتم العدم فالخلو فيه بمعنى الذهاب والمضي فهو لازم وإنما فصله بقوله ومنه الخ . إذ الذهاب هنا كما عرفت وفي الذهاب في النظم الكريم بمعنى التجاوز عن المسلمين وذهبوا عنهم إلى شياطينهم وشتان ما بينهما . قوله : ( أو من خلوت به إذا سخرت منه ) وهذا المعنى مجاز له كما نقل عن الأساس خلا به سخر منه وخدعه والعلاقة السببية إذ الساخر يخلو به لأن يستهزئ به فالخلوة سبب له في الغالب وهو كاف في العلاقة ( وعدي بإلى ) مع أنه على هذا المعنى يتعدى بمن كما أشار إليه بقوله إذا سخر منه ( لتضمين معنى الإنهاء ) تقديره « 1 » وإذ سخروا به المؤمنين منهين موصلين سخريتهم إلى أماثلهم كما يقال أحمده إليك أي أحمد فلانا منهيا إليك حمده أو أنهى إليك حمده فحينئذ يكون الوقت المستفاد من إذا عبارة عن الوقت المستفاد من إذا عبارة عن الوقت المتسع فيكون زمان الحال وذيها وزمان الشرط والجزاء متحدا بهذا المعنى ولو أريد بإذا الشرط المحض دون الزمان معه لكان الشرط والجزاء سالمين عن الاشكال لكن الكلام باق بالنسبة إلى الحال وقد مر الكلام في تحقيق إذا في قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا الآية ولما كان معنى السخرية معنى مجازيا للخلاء بتلك العلاقة فلا إشكال بأنه لم يقع صريحا في كلام من يوثق به كون الخلاء بمعنى السخرية على أنه قد مر مرارا أن صاحب الكشاف إمام في اللغة العربية ثم الظاهر أن التضمين إنما هو على الوجه الأخير لأن معنى التجاوز والمضي يتعدى بإلى فلا تضمين على الوجه الثاني وأما على الوجه الأوّل فلا يذهب الواهم إلى التضمين أصلا . قوله : ( والمراد بشياطينهم ) يعني أنه استعارة مصرحة تحقيقية قوله ( الذين ما تلوا قوله : الذين ماثلوا الشياطين إشارة إلى أن لفظ الشياطين استعارة تصريحية حيث شبه كبارهم من الكفرة المصممين على الكفر المجاهرين بكفرهم أو من المنافقين الغالين في النفاق بالشياطين

--> ( 1 ) أخره لوجوه أما أولا فلأن المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة وهنا هي ممكنة وأما ثانيا فلأن قولهم أنا معكم لا يوجد وقت سخريتهم والظرفية تقتضي وجوده حينئذ ويحتاج إلى التمحل المذكور في أصل الحاشية وأما ما لنا فلأنه إذا فهم أن سخريتهم واصلة إلى شياطينهم لم يبق لقولهم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] فائدة سوى التأكيد .